هيلبرنت

هيلبرنت (http://www.helpernt.com/vb/index.php)
-   ركن القصص العربيه والعالمية والاطفال (http://www.helpernt.com/vb/forumdisplay.php?f=81)
-   -   الثورة وذئاب وادي الغدير (http://www.helpernt.com/vb/showthread.php?t=2909)

هيلبرنت 12-29-2015 01:59 AM

الثورة وذئاب وادي الغدير
 
الثورة وذئاب وادي الغدير

الفصل الأول

يحكى أنه في مكان ما من بلاد اليمن كانت هناك قرية جميلة , آمنة ومطمئنة ينعم أهلها بالأمن والسكينة , وتحيط بها المزارع والأودية الخصيبة , التي تزخر بألوان المزروعات والماشية , وكان يدير تلك القرية شيخ مبجل يقال له الشيخ صالح , وكان هذا الشيخ كريماً مضيافاً , وقائماً بشئون قريته , غير أنه كان متراخياً مع عماله وأجراءه والقائمين على أمواله الذين ربما تحرشوا قليلاً بأهل القرية والمزارعين , أو تركوا غنم الشيخ تنفش في حرث القوم , فيسكت المتضرر مهابة للشيخ .
وكان للشيخ صالح وادياً عظيماً كثير الزرع والسواقي ودائم الخضرة , يقال له وادي الغدير , ويقع على بعدٍ يسير من القرية , وكان يقوم عليه نيابة عنه عمال ورعاة قد استأجرهم , وفي يوم من الأيام مرت قافلة من الجمال بجانب هذا الوادي فانفرد منها جمل ودخل بين أحراش الوادي وغاب فيها , ولم يتنبه له أهل القافلة إلا وقد بعدوا ولم يهتموا لأمره , وكان هذا الجمل أليفاً ودوداً , فألفته الماشية التي ترد الوادي للرعي من إبل وبقر وضأن وماعز وغيرها وأنست به , مما كان يؤخرها عن الرواح , واستمرت على ذلك, فاغتاظ الرعاة وأهل الوادي من ذلك الجمل وخافوا أن تلقح منه نوقهم فيختلف عليهم النسل, فذهبوا صوبه ليطردوه فأبى عليهم وقاومهم , فخافوا منه لأنه كان جملاً عظيم الخلقة قوي الجسم , وكانوا ربما تأخروا عن أذيته خشية أن يكون من جمال الشيخ , ولكنهم عزموا على أن يرفعوا أمره للشيخ , وهنا انبرى بعضٌ ممن في نفوسهم حاجة وقالوا نحن نرفع أمره إلى الشيخ , فذهبوا إليه وقالوا أيها الشيخ إن أسداً قد استوطن واديك وصار يغيرعلى مواشينا ومواشيك , وكل يوم نفقد معه جملاً أو ثوراً أو نعجة , وقد عجز الرجال عن قتله , وإن له بأساً لا يفي ما بأيدي الرجال من سلاح لهزيمته , وقد استعملنا لقتله شتى الحيل ولم نفلح , فاغتم الشيخ لأمر هذا الأسد , وخشي أن يحجم العمال والرعاة عن عملهم في الوادي مخافة بطش هذا الأسد , فتتعطل مصالحه وتضيع زراعته التي أنفق عليها الكثير, فعاد إلى القوم وقال لهم : بما أن الأمر ما قد ذكرتم فدلوني برأي نحسم به أمر هذا الوحش , فبادره رجل ممن قد وتره الشيخ ويحمل له الغل والضغينة , وقال له أيها الشيخ إنا قد عالجنا هذا الأمر بكل وسيلة ولم نفلح ,وإنا لا نرى أن يقوم لهذا الأسد شيء إلا إذا كان من جنسه , فقال الشيخ وكيف ذلك؟ فرد الرجل : إن فلاناً العراف يربي ذئاباً ويدربها ثم يبيعها لأجل الصيد والحراسة , فلو عمدت إليه ليدرب لك قطيعاً ويسوسه حتى إذا بلغت أشدها أفلتناها على هذا الأسد فتجتمع عليه وتقتله وتريحنا منه , ثم تستخدمها أنت بعد ذلك للحراسة والصيد .
لم يستصيغ الشيخ ما قال الرجل ولم يكن له به رضىً , فطفق الحاضرون يصوبون رأي الرجل ويزينون قوله حتى غلبوا الشيخ على أمره فوافقهم وقبل منهم , ومن ساعته أرسل رسوله للعراف يطلب منه ما أشار به القوم , ووكل من يقوم على هذا الأمر حتى يتم .
ذهب الرسول إلى العراف وأخبره بمراد الشيخ فأطربه الخبر وأثلج صدره , وصار يقرض شفتيه ويفرك كفيه سروراً بما سمع , وتراءى له ما يظنه أن الشيخ قد سطا على هذا الوادي وبسط يده على ما ليس له , وأن العراف كان هو الأحق بما تحت يدي الشيخ , وأن هذه ربما هي فرصته ليصيب ثأره ويسترد جاهه, فأقبل على الرسول وقال له أخبر الشيخ أنني طوع أمره , ومجدٌّ في تحقيق مراده , وقائم عليه بنفسي , وعما قريب سيرى جيشاً من الذئاب تسعى في خدمته وحماية زرعه ومراعيه .
خرج العراف إلى جرائه الصغيرة يتفرس فيها ويتخيرمنها من يتوسم فيه الشراسة والفتك , وأكب على تدريبها وتنشئتها على القتل , ولكنه أضاف على ذلك أمراً خطيراً هو سبب ما سيحيق بالوادي والقرية من بعد .
لقد عمد هذا العراف إلى عمل سحر خبيث , كان يأخذ منه كل يوم ويضعه في طعام الذئاب , وكان يرسل إلى الشيخ ليمده بما يشترى به طعاماً لتلك الذئاب , فلم يكن الشيخ يبخل عليه بشيء مما يطلبه , وكان هذا السحر يقضي بأن تكون هذه الذئاب سلماً للعراف وحرباً على الشيخ ورعاته , وعامة من يتصل به , وما هي إلا أشهر حتى كبرت الذئاب وصارت قادرة على الهجوم والقتل , فأرسلها العراف , فأوقعت بالناس والماشية , وأحدثت هلعاً في الوادي , وتناهى الخبر إلى الشيخ من رجل ثقة أخبره إنه لم يكن هناك أسدٌ قط وإنما هو جمل وديع , وهذه مؤامرة حاكها العراف وإخوته ليفتكوا بالجمل والشيخ معاً, فاستشاط الشيخ غضباً وجمع أعوانه ومن في طاعته , وهجم بهم على الوادي , فقتل العراف وشرد الذئاب , وظن أنه قد بلغ منهم ما يريد , لكن الذئاب كانت مسحورة بحيث يخيل للناس أنها قد ماتت وانتهت فما تلبث أن تقوم من جديد , وتعود أشد شراسة وأكثر قوة , وكان الشيخ يجمع لها الرجال ويظل يقاتلها ويطاردها إلى أن يظن أنه قد قضى عليها , ولكنها تعود وتتجمع من جديد , وظل ذلك دأبهم حتى خسر الشيخ الكثير من رجاله وأعوانه طيلة سبع حملات شنها على وادي الغدير.
وبينما الشيخ على حاله تلك مع الذئاب حدث له أمر آخر في قريته , صرفه عن حربه في وادي الغدير, وأشغله عما سواه من الأمور.

الفصل الثاني

كان أهل هذه القرية يسمون البقرة (ثورة) بدعوى أنها أنثى الثور ويجب أن يكون اسمها ثورة , على وزن غزال وغزالة وقط وقطة , وعصفور وعصفورة إلى غير ذلك , وكانوا يعيبون على من يسميها بقرة , وكان للشيخ صالح في بيته ثورة جميلة بيضاء اللون , وكانت ودودة ومسالمة , ويحبها كل أفراد الأسرة , وقد أفردوا لها مكاناً قريباً من المنزل ليلعب معها الصبيان ويراها الناظرون, وكانت تأكل مما يأتيها به الزراع الذين يستأجرهم الشيخ للقيام على أعمال الأرض والماشية, وذات يومٍ سمعت هذه البقرة أو هذه الثورة كما يسمونها صوت خوارٍ لثورة أخرى في قرية قريبة ثم تبعه خوار آخر في قرية أخرى , فهاجت واضطربت وعلا خوارها وأجلبت جلبة شديدة , فزع منها كل من في البيت , وصارت عنيفة مخيفة , لا تهدأ ولا تدع أحداً يقترب منها ليعلم ما بها , وصارت متوحشة بعد أن كانت هادئة ومسالمة, والكل متعجب من هذا الذي حدث لها , وظلت على هذه الحالة أياماً , وكانت كل ما اقترب منها صاحب المنزل ليمسح على ظهرها أو ليعلم حقيقة ما بها هاجت نحوه وهاجمته بشراسة عجيبة , وبينما الحال على ما هو عليه لا يدري أحدٌ ما الذي دهى هذه البقرة أوهذه الثورة , كان أحد الحضور يلحظ البقرة ويراقب حركاتها فرءآها كثيراً ما ترفع رأسها وتطيل النظر نحو مفرج البيت , والمفرج هو مجلس في أعلى البيت يتخذه صاحب المنزل للتكرمة ومؤانسة الضيوف, وكان هذا الرجل يرى الثورة تهرع بين الفينة والأخرى نحو باب الدرج المؤدي إلى باب المفرج , فتجده موصداً فتعود أكثر عدوانية وأكثر شراسة , تعجب الرجل من تصرف هذه الثورة , وقال إن لهذه الثورة لشأناً , فطلب من أهل المنزل أن يفتحوا باب الدرج لينظر ما ستفعل , ففتحوا باب الدرج فهطعت إليه مسرعة واقتحمته وظلت صاعدة حتى بلغت باب المفرج فوجدته موصداً أيضاً , فهاجت واضطربت أكثر من ذي قبل , فقال الرجل افتحوا لها باب المفرج لنرى ما ستفعل , فاعترض الشيخ بشدة وقال ما كنت لأدع مفرجي لهذه الثورة المجنونة تدوسه وتدنسه , وأخذ يستشير الناس في شأن هذه الثورة , فمنهم من أشار عليه بالصبر عليها فربما عُرف داءُها وتيسر دواءُها, ومنهم من أشار عليه بذبحها ورمي لحمها لكلاب القرية , وأمام هذا الرأي ثارت عجوز المنزل وولولت وقالت لا يكون هذا أبداً , فهذه ثورتنا الحبيبة طالما احتسينا من لبنها واصطبغنا من دهنها , حتى إذا أصابها ما أصابها قلتم نذبحها , ووافقها على ما قالت اثنان من أبنائها , وفي الحال أخذوا فُرشهم ونصبوا لهم خيمة صغيرة قريباً من الثورة , وحلفوا أن لا يدعوا أحداً يمسها بسوء أبداً . وقف الشيخ صالح حائراً أمام هذه المعضلة , لا يدري ما يفعل , فهو إن تركها لم تزل مصدر رعب وقلق له ولكل أفراد أسرته وزواره , وإن ذبحها ورمى لحمها للكلاب خشي أن يكون بها وباءً يصيب منه كلاب القرية ودوابها التي ترد الماء وتغشى المزارع, فيعم الوباء القرية والقرى المجاورة . وفي يوم من الأيام بينما كان الشيخ يهم بالخروج لصلاة الجمعة ومعه بعض أهله فاجأتهم هذه الثورة وهي تقتحم عليهم باب الدرج فحصرتهم فيه وانهالت عليهم نطحاً بقرونها الحادة , فأصابتهم إصابات بليغة , أشرفوا منها على الهلاك , ونقلوا إلى بيت حكيمٍ في قرية مجاورة ليعمل على إنقاذ حياتهم ويداوي جراحهم , فمنهم من لفظ أنفاسه ومنهم من كتبت له الحياة ومنهم الشيخ غير أنه ظل طريح الفراش لا يستطيع القيام , ولا العودة إلى منزله . أما الثورة فإنها بعد هذه الحادثة أصابها الوهن والضعف وكأنها قد أحست بالذنب الذي اقترفته في حق سيدها وولي نعمتها , ولكنها ما زالت على شراستها وعدوانيتها , على ما بها من الضعف والوهن , ولكن شيئاً غريباً آخر حدث لها وهو أن احمرّت عيناها وبرزت أسنانها وطال قرناها عن الحد المعتاد , وبدأ لونها بالتغير إلى اللون الأسود , فبدت كأنها عفريت من الجان , فخافها الناس وجفل منها أهل المنزل ورعبوا ولم يستطع أحدٌ أن يقترب منها ليقتلها أو يطردها , فلم يكن الناس حينها قد عرفوا البنادق أو الأسلحة الآلية , وقرر أهل المنزل أن يهجروه ويدعوا البقرة وشأنها , فأخذوا معهم ما استطاعوا من أمتعتهم , وغادروا المكان , ومنهم من غادر القرية بالكلية . وبقيت الثورة على حالها تلك تقطع الدرج صعوداً إلى أن تصل باب المفرج , فتجده موصداً , فتعود نزولاً وتمر بالمكان الذي غدرت فيه بصاحب المنزل فتضطرب عنده وتهيج ويعلوا خوارها , ولم يكن قد بقي في المكان إلا تلك العجوز وابناها , يراقبون ما تفعله الثورة , ومتعهدين بحمايتها حتى تشفى أو تموت .
وفي يومٍ من الأيام صعدت الثورة كعادتها إلى باب المفرج ودفعته برأسها فانفتح لها فدلفت إلى المجلس وجاست خلاله طولاً وعرضاً , واستقر بها الأمر على تكرمة صاحب المنزل , فربضت عليه وأوسعته شماً وتحناناً كأنما كانت تبحث عن ولدٍ لها فُرِّق بينها وبينه فظلت تناضل وتكابد حتى استعادته , في صورة حيرت العقول , ولا زالت لغزاً استعصى على الناس حله حتى اليوم , وكل من شهد تلك الحادثة أو تناهت إلى سمعه أخذ يفسرها بحسب فهمه وما تمليه عليه ثقافة ذلك الزمان , فمنهم من قال ربما كانت هذه الثورة بشراً مسه ساحرٌ بعمل خبيث مسخه إلى ثورة , ومنهم من قال ربما يكون أحد من حساد الشيخ قد سحر ثورته ليدخل الشياطين إلى بيته,ومنهم من قال أن الشيخ صالح ربما ظلم أحداً فدعا عليه , أوعمل ذنباً استحق عليه هذه العقوبة , غير أن الأقرب للعقل والأرجى للتصديق هو ما قاله حكيم القرية عندما قال إن ما أصاب البقرة هو مرض ناتج عن دودة تستوطن رأس الإنسان أو الحيوان وتخرش في دماغه, وتسمى دودة البغي , وقد سميت بهذا الإسم نظراً لما يصاحب هذا المرض من عنف وهيجان وشراسة وعدوانية ,تماماً كما حدث مع هذه الثورة , وهذا الذي قاله حكيم القرية قريب مما بتنا نسمعه اليوم عن مرض جنون البقر.
ظلت الثورة في ذلك المفرج أياماً لم تشأ أن تفارقه حتى هزل جسمها ورق عظمها من الجوع والعطش, وامتلأ ذلك المفرج من فضلاتها , ثم ماهي إلا مدة يسيرة حتى عادت الثورة على نفسها بما يشبه الإنتحار أو الإنتقام من نفسها لمن قتلتهم وأضرت بهم , فراحت تضرب رأسها بالجدار حتى تكسر قرناها وتفضّخ رأسها , ثم وقعت أرضاً تتشحط في دمها إلى أن ماتت , وبعد يومين أو ثلاثة أنتن المكان وعمت رائحتها أرجاء المنزل وما حوله , وتحول ذلك المفرج الجميل إلى مكان يعج بالنتن والقذارة , لم تستطع حتى العجوز وابناها الاقتراب من بابه . وبينما الناس مشغولون بقصة هذه الثورة وغارقون في تفاصيلها, كانت ذئاب وادي الغدير المسحورة قد بسطت سيطرتها على الوادي , وفر منه من بقي فيه من أعوان الشيخ ورعاته , ثم لازالت تهاجم وتنتشر حتى اقتربت من القرية, فشمت رائحة الدم والنتن المنبعث من تلك الثورة الميتة فانتشت وتاقت نفوسها للحم , فباشرت هجومها على القرية ففر منها الأهالي وتركوا دورهم ومتاعهم فجاست الذئاب خلال القرية واستوطنتها , وذهب قطيع منها إلى منزل الشيخ صالح ومفرجه فأكبت على تلك الثورة الميتة تنهش من لحمها وتمزقها . أما العجوز وابناها فقد أصابهم الهلع والذعر وذابت فرائصهم من هول ما تفعله تلك الذئاب المسعورة بمن تجده في طريقها , فزالت عقولهم وجُنّوا وخرجوا هائمين على وجوههم , فاعترضهم قطيع من الذئاب وانقض عليهم ومزقهم .
خلت القرية من أهلها , وأصبحت مرتعاً وموطناً لذئاب وادي الغدير المسحورة , ومن توافقت معهم الطباع من كلاب القرية .
ولم يستطع الشيخ صالح فعل أي شيء لقريته , فقد أقعدته الجراحات , وتفرق عنه من كان يتكل عليهم ويؤملهم ويستقوي بهم , وبقي في بيت ذلك الحكيم إلى أن مات , ومرت الأيام وانقضت الأعوام والقرية موحشة لا يُسمع فيها إلا عواء ذئب أو نباح كلب , في انتظار من يحررها ويعيد لها وضعها وقيمتها الإنسانية ..

قصة بقلم / نمر وادي صالح 3/7/2011 م المصدر


الساعة الآن 06:39 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.